فخر الدين الرازي

199

تفسير الرازي

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بين ثواب أصحاب الطاعات وعقاب أصحاب المعاصي والمحرمات وذكر أن لكل قوم درجة مخصوصة ومرتبة معينة ، بين أن تخصيص المطيعين بالثواب ، والمذنبين بالعذاب ، ليس لأجل أنه محتاج إلى طاعة المطيعين أو ينتقص بمعصية المذنبين . فإنه تعالى غني لذاته عن جميع العالمين ، ومع كونه غنياً فإن رحمته عامة كاملة ، ولا سبيل إلى ترتيب هذه الأرواح البشرية والنفوس الإنسانية وإيصالها إلى درجات السعداء الأبرار ، إلا بترتيب الترغيب في الطاعات والترهيب عن المحظورات فقال : * ( وربك الغني ذو الرحمة ) * ومن رحمته على الخلق ترتيب الثواب والعقاب على الطاعة والمعصية ، فنفتقر ههنا إلى بيان أمرين : الأول : إلى بيان كونه تعالى غنياً . فنقول : إنه تعالى غني في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه ، لأنه لو كان محتاجاً لكان مستكملاً بذلك الفعل ، والمستكمل بغيره ناقص بذاته ، وهو على الله محال ، وأيضاً فكل إيجاب أو سلب يفرض ، فإن كان ذاته كافية في تحققه ، وجب دوام ذلك الإيجاب أو ذلك السلب بدوام ذاته . وإن لم تكن كافية ، فحينئذ يتوقف حصول تلك الحالة وعدمها على وجود سبب منفصل أو عدمه ، فذاته لا تنفك عن ذلك الثبوت والعدم وهما موقوفان على وجود ذلك السبب المنفصل وعدمه ، والموقوف على الموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء ، فيلزم كون ذاته موقوفة على الغير ، والموقوف على الغير ممكن لذاته ، فالواجب لذاته ممكن لذاته وهو محال . فثبت أنه تعالى غني على الإطلاق . واعلم أن قوله : * ( وربك الغني ) * يفيد الحصر ، معناه : أنه لا غني إلا هو والأمر كذلك ، لأن واجب الوجود لذاته واحد ، وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته محتاج ، فثبت أنه لا غني إلا هو . فثبت بهذا البرهان القاطع صحة قوله سبحانه : * ( وربك الغني ) * وأما إثبات أنه * ( ذو الرحمة ) * فالدليل عليه أنه لا شك في وجود خيرات وسعادات ولذات وراحات . إما بحسب الأحوال الجسمانية ، وإما بحسب الأحوال الروحانية . فثبت بالبرهان الذي ذكرناه أن كل ما سواه فهو ممكن لذاته ، وإنما يدخل في الوجود بإيجاده وتكوينه وتخليقه . فثبت أن كل ما دخل في الوجود من الخيرات والراحات والكرامات والسعادات فهو من الحق سبحانه ، وبإيجاده وتكوينه . ثم إن الاستقراء دل على أن الخير غالب على الشر فإن المريض وإن كان كثيراً فالصحيح أكثر منه ، والجائع وإن كان كثيراً فالشبعان أكثر منه ، والأعمى وإن كان كثيراً ، إلا أن البصير أكثر منه . فثبت أنه لا بد من الاعتراف بحصول الرحمة والراحة ، وثبت أن الخير أغلب من الشر والألم والآفة . وثبت أن مبدأ تلك الراحات والخيرات بأسرها هو الله تعالى . فثبت بهذا البرهان أنه تعالى هو * ( ذو الرحمة ) * .